وشوشـــــــــــــــة مصريــــــــــــــــــــــة ..... مدونة الشاعر: خميس نصر

وشوشة مصرية

الثلاثاء,تموز 29, 2008


رجال عصر النبوة ـ د. محمد عمارة
  إن صناعة الرجال هي أعظم الصناعات الثقيلة في هذه الحياة.. وأعظم الزعماء في العبقرية هم أوائل الذين يعرفون المعادن النفيسة للرجال، فيضعونهم في مواضعهم الطبيعية فيحدثون التحولات الكبرى في النهوض والتقدم وتغيير مجرى التاريخ..
ولقد كان من إعجاز مدرسة النبوة في دار الأرقم بن أبي الأرقم.. وفي الروضة الشريفة صناعة الجيل الفريد من الرجال والنساء الذين غيروا مضمون الحضارة والمدينة والثقافة ووجهة التاريخ.. هذا الجيل الفريد الذي هزم الشرك والوثنية وأقام الدين وأسس الدولة وأزال بالفتوحات الإسلامية القوى العظمى الظالمة – الفرس والروم – التي قهرت الشرق دينيا وثقافيا وسياسيا ونهبته اقتصاديا لأكثر من عشرة قرون.. وذلك عندما فتح هذا الجيل الفريد في ثمانين عاما أوسع مما فتح الرومان في ثمانية قرون.. وكان فتحهم تحريرا للأرض.. وللضمير.
ولقد كان أبو عبيدة بن الجراح (40 ق هـ 18هـ 584-639م) وهو أمين الأمة الإسلامية بنص حديث رسول الله –صلى الله عليه وسلم- من المقربين في صفوف هذا الجيل الفريد..
ولأن عمر بن الخطاب (40 ق هـ -23هـ 584-639م) كان عبقريا في معرفة معادن الرجال، اختار أبا عبيدة لقيادة اخطر جبهات الفتوحات الإسلامية.. جبهة الحرب مع الروم.. الذين كان يقودهم هرقل والذين كانوا قد انتصروا على الفرس في ذلك التاريخ فأصبحوا وكأنهم القطب الأوحد في عالم تلك الأيام .
وعندما زار عمر بن الخطاب جبهة القتال مع الروم في الشام والتقى بقادة الجيوش ذهب على منزل أبى عبيدة ليرى كيف يعيش القائد الذي يحقق الانتصارات ضد القوة الأعظم في ذلك التاريخ.. وتأمل عمر أنحاء منزل أبى عبيدة فلم يجد متاعا ولا أثاثا فسأله:
- يا أبا عبيدة ألا اتخذت لك شيئا؟! .. فأجابه:
- إن ما تراه يا أمير المؤمنين يكفي ليبلغ بنا اليقين (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) ..
وقبل أن يغادر عمر أرض الشام عائدا إلى المدينة وبعد أن تسلم مفاتيح القدس الشريف وعقد لأهلها عهد الأمان جمع الصحابة والقادة في لقاء سمر وطلب من الحضور أن يتمنى كل واحد منهم ما يريد..
وبعد أن فرغ كل واحد من الصحابة والقادة من سرد أمنيته.. قال عمر بن الخطاب:
- أما أنا فأتمنى بيتا مثل هذا مليئا برجال مثل أبي عبيدة بن الجراح !!
ويومئذ طلب عمرو بن العاص (50 ق هـ - 43هـ 574-664م) من عمر أن يأذن بفتح مصر التي كانت تضم الإسكندرية عاصمة الاستعمار الروماني للشرق، فأذن له وسار على مصر مع أربعة آلاف من جند الإسلام ..
وبعد عدة معارك في سيناء وصل عمرو بن العاص إلى حصن بابليون ووجد أن الروم قد حشدوا بمصر مائة وعشرين ألفا من الجنود في حصون ورائها حصون.. وأن البحر المتوسط يسيل بالإمدادات الهائلة من كل أنحاء الإمبراطورية الرومانية لهذه المعركة الفاصلة لأن هرقل قد أعلن: أنه إذا سقطت الإسكندرية ضاع ملك الروم!!..
وأمام هذا الواقع وهذه الموازين للقوى – أربعة آلاف في مواجهة مائة وعشرون ألفا- أرسل عمرو بن العاص إلى أمير المؤمنين يطلب مددا.. فأجابه عمر برسالة قال فيها: إني مرسل إليك بأربعة آلاف.. ليصبح جيشك ثمانية آلاف.. ومرسل إليك أربعة من صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كل واحد منهم بألف .. فيكون معك اثني عشر ألفا!!
وطلب منه أن يكون هؤلاء الأربعة في مقدمة صفوف المقاتلين !.. فكان الفتح الذي حرر الشرق بواسطة هذا الجيل الفريد، الذي تربى في مدرسة النبوة، لتقيم الدين ومؤسس الدولة، ويغير مجرى التاريخ!!